تقرير بحث النائيني للكاظمي
15
فوائد الأصول
الاحراز الوجداني بالخلاف . والحاصل : أنه لا يمكن الحكم ببقاء الطهارة الواقعية في كل من الإنائين مع العلم بنجاسة أحدهما . نعم : يمكن الحكم ببقاء الطهارة الواقعية في أحد الإنائين دون الآخر ، لأنه لا يعلم بنجاسته بالخصوص ، فالذي لا يمكن هو الجمع بين الحكمين وجعل الاستصحابين معا ، وهذا من غير فرق بين أن يلزم من جريان الاستصحابين مخالفة عملية كالمثال ، حيث إن استصحاب طهارة كل من الإنائين يقتضي جواز استعمال كل منهما في مشروط الطهارة ، فيلزم مخالفة عملية للتكليف المعلوم في البين وهو وجوب الاجتناب عن النجس منهما وعدم جواز استعماله في مشروط الطهارة ( 1 ) وبين أن لا يلزم من جريانهما مخالفة عملية ، كما إذا كان الاناءان مقطوعي النجاسة سابقا وعلم بطهارة أحدهما لاحقا ، فإنه لا يلزم من استصحاب نجاسة كل منهما مخالفة عملية ، لان العلم بطهارة أحدهما لا يقتضي تكليفا ليلزم من جريانهما مخالفة عملية ، لما عرفت من عدم إمكان الحكم ببقاء المستصحبين مع العلم بانتقاض أحدهما ، وهذا يرجع إلى عدم إمكان الجعل ثبوتا ( 2 ) ولا دخل للمخالفة العملية وعدمها في ذلك . ويترتب على ذلك عدم
--> ( 1 ) أقول : إن مفاد الأصل المزبور أيضا هو الترخيص في طرفي العلم - كما عرفت في الحاشية السابقة - لا في نفس المعلوم ، فمع تلك الجهة حالها حال سائر الأصول ، غاية الأمر الفرق بينهما في اقتضاء أصالة الإباحة الترخيص في طرفي العلم بتطبيق واحد وفي البقية بتطبيقين ، وذلك المقدار لا يجدي فرقا في الجهة المهمة ، كما هو واضح . ( 2 ) أقول : بعدما عرفت شرح العلم الاجمالي وأنه لا يكاد إلا أن يتعلق بالعنوان الاجمالي من دون سرايته إلى العنوان التفصيلي وأنه كان باقيا على مشكوكيته ، نقول : إن مفاد " لا تنقض اليقين " بعدما لا يكون إلا إبقاء المتيقن في ظرف الشك لا تنزيل الشك منزلة اليقين - كما سيجئ توضيح هذه الجهة أيضا في مقام محكومية الاستصحاب للامارة وحكومته على سائر الأصول المأخوذ في موضوعها عدم العلم والمعرفة - لا شبهة في أن الحكم بإبقاء النجاسة في كل واحد من الطرفين تفصيلا أو التعبد باليقين به في ظرف شكه كيف ينافي مع العلم بعدم بقاء السابق بعنوانه الاجمالي ؟ إذ الاحراز التعبدي في كل مشكوك تفصيلي كيف ينافي مع إحراز عدمه بعنوانه الاجمالي ؟ فكما أن هذا الاحراز الوجداني لا ينافي الشك فيه ولا عدم إحرازه بعنوانه التفصيلي ولو كانا في الواقع متحدين وجودا - مع أن الشك واليقين من المتضادات - فكيف يضاد مثل هذا اليقين الوجداني الاجمالي ما هو من أحكام هذا الشك القائم بعنوانه التفصيلي المعبر عنه بالاحراز التعبدي . نعم : لو كان اليقين الاجمالي قابلا للسريان إلى العنوان التفصيلي واقعا ، كان لما أفيد وجه ، إذ الاحراز التعبدي لا يعقل مع إحراز عدم الحالة السابقة إجمالا في مورد واحد ، وأما بعد بداهة عدم السراية - بشهادة اجتماع الشك واليقين في وجود واحد خارجي بتوسط العناوين الاجمالية والتفصيلية - لا مجال لانكار الجمع بين إحراز نجاسة كل منهما تفصيلا تعبدا مع العلم بطهارة أحدهما بهذا العنوان الاجمالي ، وحينئذ لا مانع في مثل هذه الأصول أيضا إلا مجرد المخالفة العملية ، وسيجئ توضيح هذه الجهة أيضا عند تعرضه في محله حسب وعدته ( إن شاء الله تعالى ) . وبالجملة نقول : إن ما أفيد من الجزم بانقلاب اليقين السابق بيقين بضده ، ومع هذا الجزم الوجداني كيف يعقل الحكم ببقاء اليقين السابق تعبدا في الطرفين ؟ يسئل منه : أن ما هو منقلب إلى اليقين بالخلاف هو اليقين بنجاسة كأس زيد أو اليقين بنجاسة كأس عمرو بعنوانهما التفصيلي ، حاشا ! بل المنقلب هو أحد اليقين أو اليقين بأحدهما بهذا العنوان الاجمالي . ومن المعلوم أيضا : أن موضوع الابقاء التعبدي ليس اليقين بأحدهما ولا أحد اليقينين بهذا العنوان الاجمالي بل الموضوع هو اليقين بكأس زيد واليقين بكأس عمرو ، وفي هذين لانقطع بانقلابه إلى اليقين بالخلاف ، فلا وجه لعدم شمول دليل التعبد لهما بهذين العنوانين التفصيليين ، كما لا يخفى .